الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

26

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

ويروى أنه لما فشا الخبر بمصر ، أن آل فرعون أخذوا غلاما في النيل وكان لا يرتضع من ثدي كل امرأة يؤتى بها ، واضطروا إلى تتبع النساء . فخرجت أخته مريم لتعرف خبره ، فدخلت قصر فرعون ، فقالت : هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم . ثم جاءت بالأم ، فقبل ثديها . فرجع إلى أمه بما لطف اللّه تعالى له من هذا التدبير . فذلك قوله تعالى : فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ ، معطوف على محذوف . أي فقالوا : دلينا على من تكفله ، فجاءت بأمك فرددناك إلى أمك . كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها فتطيب نفسها بلقائك ورؤيتك . وَلا تَحْزَنَ أي ليزول عنها الحزن بسبب عدم وصول لبن غيرها إلى باطنك ، أو كي لا تحزن أنت بفراقها . وكانت أمه قد أرضعته ثلاثة أشهر ، أو أربعة ، قبل إلقائه في اليم . وَقَتَلْتَ نَفْساً قبطيا طباخا لفرعون اسمه قاب‌قان ، وكان عمره إذ ذاك ثلاثين سنة . فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غم اقتصاص فرعون منه ، بالإنجاء منه بالمهاجرة إلى مدين ، ومن غم عقاب اللّه تعالى ، حيث قتله لا بأمر اللّه بالمغفرة ، وكان قتله للكافر خطأ . وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً أي أوقعناك في محنة بعد محنة ، وخلّصناك منها . فإنه ولد في عام يقتل فيه الولدان . وألقته أمه في البحر ، والتقطه آل فرعون ، وامتنع من ارتضاع الأجانب ، وهمّ فرعون بقتله ، ووضع الجمرة في فيه ، وقتل قبطيا ، ثم هرب إلى مدين . فَلَبِثْتَ سِنِينَ أي مكثت عشر سنين ، فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب عليه السلام ، على ثمان مراحل من مصر . ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى ( 40 ) أي ثم جئت إلى المكان الذي أونس فيه النار ، ووقع فيه النداء كائنا على مقدار معين من الزمان وهو أربعون سنة ، فنبأتك وأرسلتك حينئذ . وَاصْطَنَعْتُكَ أي اصطفيتك لِنَفْسِي ( 41 ) بالرسالة وبالكلام . اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ أي وليذهب أخوك إلى فرعون ، وقومه ، وبني إسرائيل ، بِآياتِي أي مع آياتي التي هي العصا واليد ففي كل منهما آيات شتى . فانقلاب العصا حيوانا آية ، وكونها ثعبانا عظيما لآية أخرى ، وسرعة حركته مع عظيم جرمه آية أخرى ، ثم إنه عليه السلام يدخل يده في فيه فلا يضره آية أخرى ، ثم انقلابه عصا آية أخرى . وكذلك اليد فإن بياضها آية ، وشعاعها آية أخرى ، ثم رجوعها إلى حالتها الأولى آية أخرى . وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي ( 42 ) أي لا تضعفا عن تبليغ رسالتي ، فإن الذكر يطلق على كل عبادة ، والتبليغ من أعظم العبادات . اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ . روي أن اللّه تعالى أوحى إلى هارون وهو بمصر ، أن يتلقى موسى عليه السلام إِنَّهُ طَغى ( 43 ) أي تكبر بادعائه الربوبية ، فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً فإن تليين القول ، مما يكسر سورة عناد العتاة ، ويلين عريكة الطغاة ، وإن فرعون كان قد ربّاه عليه السلام ، فأمره أن يخاطبه بالرفق رعاية لتلك الحقوق . لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى ( 44 ) أي قولا له قولا ليّنا على أن تكونا راجيين لأن يقبل